فخر الدين الرازي
10
تفسير الرازي
* ( إذ أنشأكم ) * عائد إلى جميع الناس ، فينبغي أن يكون جميع الناس أجنة في بطون الأمهات ، وهو قول الفلاسفة ؟ نقول ليس كذلك ، لأنا نقول : الخطاب مع الموجودين حالة الخطاب ، وقوله تعالى : * ( هو أعلم بكم ) * خطاب مع كل من بعد الإنزال على قول ، ومع من حضر وقت الإنزال على قول ، ولا شك أن كل هؤلاء من الأرض وهم كانوا أجنة . المسألة الرابعة : الأجنة هم الذين في بطون الأمهات ، وبعد الخروج لا يسمى إلا ولداً أو سقطاً ، فما فائدة قوله تعالى : * ( في بطون أمهاتكم ) * ؟ نقول : التنبيه على كمال العلم والقدرة ، فإن بطن الأم في غاية الظلمة ، ومن علم بحال الجنين فيها لا يخفى عليه ما ظهر من حال العباد . المسألة الخامسة : لقائل أن يقول : إذا قلنا إن قوله * ( هو أعلم بكم ) * تقرير لكونه عالماً بمن ضل ، فقوله تعالى : * ( فلا تزكوا أنفسكم ) * تعلقه به ظاهر ، وأما إن قلنا إنه تأكيد وبيان للجزاء ، فإنه يعلم الأجزاء فيعيدها إلى أبدان أشخاصها ، فكيف يتعلق به * ( فلا تزكوا أنفسكم ) * ؟ نقول : معناه حينئذ فلا تبرئوا أنفسكم من العذاب ، ولا تقولوا تفرقت الأجزاء فلا يقع العذاب ، لأن العالم بكم عند الإنشاء عالم بكم عند الإعادة ، وعلى هذا قوله : * ( أعلم بمن اتقى ) * أي يعلم أجزاءه فيعيدها إليه ، ويثيبه بما أقدم عليه . المسألة السادسة : الخطاب مع من ؟ فيه ثلاثة احتمالات الأول : مع الكفار ، وهذا على قولنا إنهم قالوا كيف يعلمه الله ، فرد عليهم قولهم الثاني كل من كان زمان الخطاب وبعده من المؤمنين والكفار الثالث هو مع المؤمنين ، وتقريره : هو أن الله تعالى لما قال : * ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ) * ( النجم : 29 ) قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : قد علم كونك ومن معك على الحق ، وكون المشركين على الباطل ، فأعرض عنهم ولا تقولوا : نحن على الحق وأنتم على الضلال ، لأنهم يقابلونكم بمثل ذلك ، وفوض الأمر إلى الله تعالى ، فهو أعلم بمن اتقى ومن طغى ، وعلى هذا فقول من قال : * ( فأعرض ) * منسوخ أظهر ، وهو كقوله تعالى : * ( وإنا أو إياكم لعلى هدي أو في ضلال مبين ) * ( سبأ : 24 ) والله أعلم بجملة الأمور ، ويحتمل أن يقال : على هذا الوجه الثالث إنه إرشاد للمؤمنين ، فخاطبهم الله وقال : هو أعلم بكم أيها المؤمنون ، علم ما لكم من أول خلقكم إلى آخر يومكم ، فلا تزكوا أنفسكم رياء وخيلاء ، ولا تقولوا لآخر أنا خير منك وأنا أزكى منك وأتقى ، فإن الأمر عند الله ، ووجه آخر وهو إشارة إلى وجوب الخوف من العاقبة ، أي لا تقطعوا بخلاصكم أيها المؤمنون ، فإن الله يعلم عاقبة من يكون على التقي ، وهذا يؤيد قول من يقول : أنا مؤمن إن شاء الله للصرف إلى العاقبة ثم قال تعالى : * ( أَفَرَأَيْتَ الَّذِى تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى * أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ